هاروت و ماروت (الحقيقة)
بسم الله الرحمن الرحيم
((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ))
الكثير منا سمع عن هاروت وماروت من هما وما هي قصتهما مع السحر بأرض بابل لا اعتقد ان احد منكم سابقا اطلع على حقيقة القصة الكثير من العلماء والمفسرين ألفوا الكتب واسهبوا بالكلام ولكنهم فشلوا بإظهار الحقيقة اعتقد ولست جازما اني سأحرك عندكم بعض التحفظات لانكم اعتدتم على سماع الشيوخ والمشايخ وتصديق كل كلماتهم ولكن دعونا من هذا كله ولنأخذ من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه . ربما سينعتني من ينعت ويتهمني بحشر نفسي مع عمالقة المفسرين لا يهم .اعلموا أن الدين ليس حكرا على شيخ أو مرجع أو مفسر .
منذ عدة أيام جمعتني القدار بعد غيبة ليست بالقصيرة جلسة سمر بنفر من اصحابي..
تطرقنا خلالها للحديث عن القصة الشهيرة لا ريب أنكم جميعا تعرفونها..
إنها قصة (هاروت وماروت)..
الملكين الذين كانا يعلمان الناس السحر ببابل فتحدث أحد الأساتذة وهو دكتور بالفقه عن القصة .للعلم قبل الدخول الى حديث الدكتور احب ان اقول انه لا يمكن أن يوجد من الملائكة من يعصى الله ويشرب الخمر ويقتل ويرتكب الفاحشة بل ويعلم الناس السحر..
فالملائكة قال فيهم الله سبحانه وتعالى:
(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم (6)
وأن الله قد أمرهما بتعليم الناس السحر اتقاء لشره وليس لاستخدامه فيما يغضب الله كمن يتعلم دراسة السموم اتقاء لشرها
في حين يقول المؤيدون لتلك الرواية المزعومة وهي كذب على الله ورسوله ولا تحاكي العقل والمنطق لنطلع على الرواية المزعومة
……
هنا قام دكتور الفقه مشكورا بشرح القصة للحضور حيث قال ما يلي نصه:
(لما أهبط الله آدم عليه السلام إلى الأرض قالت الملائكة:
أي ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
قال:
إني أعلم ما لا تعلمون
قالوا:
ربنا نحن أطوع لك من بني آدم
قال الله تعالى للملائكة:
هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فتنظروا كيف يعملان
قالوا:
ربنا هاروت وماروت..وفي رواية (أعزراو) أو (عزا) وهو (هاروت) و(عزبيا) وهو (ماروت)..
-وإنما غيرت أسماؤهما إلى هاروت وماروت بعدما اقترفاه من الإثم..تماما كإبليس اللعين وكان اسمه (عزازيل) قبل أن يعصى الله-..
فأهبطا إلى الأرض..
ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر..
فجاءتهما فسألاها نفسها قالت:
لا ..حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك
فقالا:
لا والله لا نشرك بالله شيئا أبدا
فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله
فسألاها نفسها فقالت:
لا..حتى تقتلا هذا الصبي
فقالا:
لا والله لا نقتله أبدا
فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله
فسألاها نفسها فقالت:
لا..حتى تشربا هذا الخمر
فشربا حتى سكرا..
فوقعا عليها وقتلا الصبي..
فلما أفاقا قالت المرأة:
والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه إلا فعلتماه حين سكرتما
فلما أن أفاقا جاءهما جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل وهما يبكيان فبكى معهما..
وقال لهما:
ما هذه البلية التي أجحف بكما بلاؤها وشقاؤها؟
فبكيا فقال لهما:
إن ربكما يخيركما بين عذاب الدنيا..وأن تكونا عنده في الآخرة في مشيئته..
إن شاء عذبكما وإن شاء رحمكما وإن شئتما عذاب الآخرة..
فعلما أن الدنيا منقطعة وأن الآخرة دائمة وأن الله بعباده رءوف رحيم..
فاختارا عذاب الدنيا وأن يكونا في المشيئة عند الله
فهما ببابل معلقين بين جبلين في غار تحت الأرض يعذبان كل يوم طرفي النهار إلى الصيحة..
ولما رأت ذلك الملائكة خفقت بأجنحتها في البيت ثم قالوا:
اللهم اغفر لولد آدم..
عجبا كيف يعبدون الله ويطيعونه على ما لهم من الشهوات واللذات
فاستغفرت الملائكة بعد ذلك لولد آدم..
فذلك قوله سبحانه (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) الشورى(5)
انتهت رواية الدكتور للاسف على كل حال لنعود للعقل والمنطق والتفسير ..
كما قلت سابقا لا يوجد من الملائكة من يعصى الله ويشرب الخمر ويقتل ويرتكب الفاحشة بل ويعلم الناس السحر.
فالملائكة قال فيهم الله سبحانه وتعالى:
(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)
ان هاروت وماروت نزلا ليظهروا للناس الفرق بين السحر المطلوب تجنبه وبين المعجزة التي هي دليل نبوة الأنبياء عليهم السلام فكانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم تشجيع له كأن يقولا: لا تفعل كذا كما لو سأل سائل عن صفة الزنا أو القتل فأُخبر بصفته ليجتنبه أو يقولا: فلا تكفر أي فلا تتعلم السحر معتقدا أنه حق فتكفر
ان نص آية سورة التحريم من بدايتها:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)
قال ابن كثير والطبري وغيرهم من المفسرين هذا الكلام يقول ابن كثير (إن عصمة الملائكة دائمة ما داموا بوصف الملائكة أما إذا انتقلوا إلى وصف الإنسان فلا)
كون ابن كثير يقول هذا إنه حديث غريب فهذا ليس معناه أنه حديث ضعيف فحسب بل غير مقبول حيث أنه استطرد قائلا هذا الكلام
وللعام (ورجاله كلهم ثقات)..
ثم إن راوي هذا الحديث الأساسي هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهم
وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى محمد ابن عبد الله رسول الرحمة عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
على العموم ندخل البحث..
لما سلب سليمان عليه السلام ملكه كانت الشياطين تصعد إلى الفضاء فتصل إلى الغمام والسحاب حيث يسترقون السمع من كلام الملائكة الذين يتحدثون ببعض ما سيكون بإذن الله في الأرض من موت أو أمر أو مصائب فيأتون الكهنة الكفار الذين يزعمون بأنهم يعلمون الغيب ويخبرونهم بما سمعوا..
فتحدث الكهنة الناس به فيجدونه كما قالوا..
فلما ركنت إليهم الكهنة أدخلوا الكذب على أخبارهم فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة..
وكانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان فيكتبوا مثلا:
(من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا..)
فلما ينتهوا يجعلوا عنوانه:
هذا ما كتب آصف بن برخيا عن الملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم
وفشا في بني إسرائيل أن الجن والشياطين يعلمون الغيب والعياذ بالله..
فلما استعاد سليمان ما وهبه الله بعث جنوده وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه..
ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يقترب من الكرسي وإلا احترق..
وقال سليمان عليه السلام:
لا أسمعن أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه
وكانت الشياطين مغتاظة من سليمان لأن الله أعطاه سر التحكم فيهم..فكانوا يطيعونه مع كفرهم حيث كانوا يخدمونه يعملون له أعمالا شاقة كما بين القرآن..
ولما مات سليمان عليه السلام وقل عدد العلماء الذين عرفوا ماذا فعل سليمان بكتب السحر وأنه دفنها تحت كرسيه ومضى جيل وأتى غيره تمثل إبليس في صورة إنسان ثم أتى جماعة من بني إسرائيل فقال لهم:
هل أدلكم على كنز لا ينفد بالأخذ منه؟
قالوا:
نعم
قال:
إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فاحفروا تحت كرسيه
فاعترض المسلمون وغضبوا وقالوا:
بل كان سليمان نبيا مسلما مؤمنا
وعاود إبليس الكرة مرارا حتى صدقه بعضهم من ضعاف النفوس وذهب معهم وأراهم المكان ووقف غير بعيد لا يستطيع الاقتراب وإلا احترق.. فقالوا له:
اقترب يا هذا
فقال:
لا ولكنني ها هنا بين أيديكم فإن لم تجدوا الصندوق فاقتلوني
فحفروا فوجدوا الصندوق وأخرجوا تلك الكتب..فلما أخرجوها قال إبليس اللعين:
ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا السحر وبه سخر الجن والإنس والطير والريح
فقال الكفار:
لقد كان سليمان ساحرا..هذا سحره به كان يأمرنا وبه يقهرنا
ثم طار إبليس وفشا بين الناس أن سليمان كان ساحرا والعياذ بالله وكذلك صاحبه وكاتبه آصف بن برخيا الذي جلب له عرش بلقيس بكرامة أكرمه الله بها (الذي عنده علم من الكتاب)
وأخذ كفار بني إسرائيل يعملون بما في تلك الكتب..
والحق أن السحر ليس من عمل الأنبياء ولا الأولياء وما كفر سليمان لأنه نبي من عند الله منزه عن الكبائر وصغائر الخسة وعن كل القبائح والرذائل فضلا عن أنه منزه عن الكفر..
فلما كثر السحرة الذين تتلمذوا على أيدي الشياطين وادعوا النبوة وعلم الغيب وتحدوا الناس بالسحر أنزل الله ملكين من ملائكته الكرام وهما هاروت وماروت ليعلما الناس ما هو السحر فيتمكنوا من تمييز السحر من المعجزة التي هي دليل نبوة الأنبياء عليهم السلام..
ويتبين كذب السحرة في دعواهم النبوة ولكي لا يلتبس على بعض الناس حالهم فإن السحر يعارض بسحر أقوى منه -فقد يبطل السحر ساحر آخر-..
وفيه التمويه والتخييل على الناس وخدع وشعوذات..
ومن جهة أخرى هو نوع من خدمة الشياطين للسحرة لأن الشياطين أجسام خفيه لا يراها الناس ويكون السحر أحيانا بوضع تركيبة من مواد معينة تجمع وتحرق ويتخذ منها رماد وحبر ويقرأ عليها كلمات وأسماء ثم تستعمل في ما يحتاج إليه من السحر..
وأما المعجزة فهي أمر خارق للعادة لا يعارض بالمثل يظهر على يد النبي وقد يكون مقرونا بالتحدي..
فكانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم تشجيع له كأن يقولا:
لا تفعل كذا-كما لو سأل سائل عن صفة الزنا أو القتل فأُخبر بصفته ليجتنبه-
لذلك كانا يستدركان قائلين:
فلا تكفر
أي فلا تتعلم السحر معتقدا أنه حق يجلب الخير أو يدفع الضرر فتكفر
كما كانا يعلمان الناس كيفية اتقاء شرور السحر إن سحروا..
وكانا لا يعلمان أحدا حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاء واختبارا قائلين:
إنما نحن ابتلاء من الله وفتنة فمن تعلم منا السحر واعتقده وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان..
وبين الله في القرآن أن الملكين أقصى ما يعلمانه هو كيف يتم التفريق بين الرجل وزوجته..وأن ضرر ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله لأن الله تعالى هو الذي يخلق النفع والضرر..
ثم أثبت تعالى أن من يتعلم السحر ويرتكبه فهو ضرر عليه ويعود عليه بالوبال.
وهاروت وماروت ملكان كريمان من ملائكة الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون..
فلا صحة أبدا للقصة التي تقول إن هاروت وماروت ملكان التقيا بامرأة جميلة ففعلا معها الفاحشة فهذا الكلام كفر بين وفيه تكذيب للقرآن الكريم.
فليحذر الناس من مثل هذه القصص المكذوبة والمفتراة على دين الله وأنبيائه وملائكته..
والخلاصة: أن الله تعالى إنما أنزلهما ليحصل بسبب إرشادهما الفرق بين الحق الذي جاء به سليمان وأتم له الله به ملكه وبين الباطل الذي جاءت الكهنة به من السحر ليفرق الناس بين المعجزة والسحر..
وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذين الملكين فهو من الأكاذيب يردها ما ثبت من عصمة الملائكة على وجه العموم دون ورود استثناء لهذا لأصل العام كما قال تعالى:
( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/26-28 .
وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال)
يبدو أن بابل قد بلغت مبلغا عظيما في علوم السحر وهذا مؤشر على انحراف مسار الحضارة البابلية..
وقد تجلت رحمة الله تعالى بإنزال ملكين لمواجهة ذلك الشر المستطير..وتمثل الملكان في صورة بشرية كما أسلفت بالدليل..
وواضح من النص الكريم أن مهمة الملكين تمثلت في تعليم الناس أمورا تتعلق بالسحر الذي استفحل شره في بابل..
وبما أنهما ملكان وبما أن ما يعلمانه منزل عليهما فلا بد إذن أن يكون أمرا إيجابيا..
والأقرب للمنطق أن يكون هذا العلم يتعلق بمضادات السحر من أجل إبطاله..
وبذلك لا نحتاج إلى لي عنق النص لأن هذا هو ظاهر النص واللائق بمقام الملائكة وما ينزل عليهم...
وهنا قد يقول قائل:
كان يمكن أن ينزل هذا العلم المتعلق بإبطال السحر على نبي من الأنبياء فلماذا أنزل على ملكين متجسدين في الصورة البشرية ؟
والجواب على ذلك يتلخص في كون الأمر لا يناسب مقام النبوة والرسالة لأن الكفار قد درجوا على اتهام الأنبياء والرسل بممارسة السحر بل لقد خلط أهل الكفر بين المعجزة والسحر..
من هنا وحتى لا تكون الشبهة وحتى لا يتم الخلط تم تجنيب الرسل الخوض في مضادات السحر -التي تحتم الخوض في السحر-..
وواضح من النص الكريم أن الملكين يخلصان النصيحة لكل من تعلم مضادات السحر ويظهر ذلك جليا في استخدام (ما ومن) في قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد)..
وهذا الحرص منهما يدل على خطورة الأمر وحساسيته..وتظهر هذه الخطورة في إمكانية انحراف المتعلم وانخراطه في أمور السحر لذا كانت النصيحة المشددة: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) قبل البدء في التعليم..
وهنا قد يتساءل أحدكم:
من أين تأتي الخطورة وإمكانية الانحراف وهما يعلمان الناس مضادات السحر وكيفية الوقاية منه؟!
وأجيب قائلا إن تعليم المضادات للسحر يقتضي التعريف بحقيقة السحر أولا ثم تعليم أنواع المضادات لهذا السحر..ومن هنا يصبح المتعلم ملما بأساليب السحر وأنواعه كما هو الأمر في الصيدلي أو الطبيب الذي يتعلم أنواع السموم ومضاداتها.
من هنا لابد من التذكير الدائم والوصية المتكررة -لأن المتعلم أصبح قادرا على ممارسة السحر بعد تعلمه لمضاداته -ومثل هذه الإمكانيات تغري النفوس غير القوية بالانحراف وممارسة السحر والكفر..
وبعد أن تؤدى النصيحة ويتم التحذير المشدد يتم تعليم ألوان من السحر وعلى وجه الخصوص الكيفية التي يتم بها التفريق بين المرء وزوجه..
أما لماذا كان التركيز على أمر التفريق بين المرء وزوجه فلا شك أن ذلك من أشر الشرور فقد صح في الحديث الشريف أن إبليس يقرب من أتباعه من يستطيع أن يوسوس للزوجين بما يفضي إلى طلاقهما..
كما أن التفريق بين الأزواج هو من أهم مقاصد السحر والسحرة فحيث تكون المودة والرحمة والسكينة يكون الخير..وما السحر إلا محض شر..
وأتوقف عند قوله تعالى:
(وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)
وهذه حقيقة ينبغي أن تكون ماثلة دائما في ضمير المؤمن فلا يكون في هذا الكون شيء إلا بإذنه تعالى..فليكن التوجه أولا وأخيرا إلى الله تعالى..
وأيضا:
(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم)
وهذا يدل على أن السحر لا علاقة له بالنفع بل كله يتعلق بالمضرة ويخلو من المنفعة..
من هنا كانت ممارسة السحر من أكبر الكبائر..ولو كان في السحر بعض الجوانب النافعة لأمكن عقلا أن يأذن الشرع بممارسة هذه الجوانب..أما تعلم مضادات السحر فلا تتعلق بالمنفعة وإنما بدفع المضرة..من هنا كانت وصية الملكين مشددة لكي لا ينزلق المتعلم في متاهات السحر ولكي يسخر علمه في دفع الضرر.
وقد يتوهم البعض أن المقصود بقوله تعالى:
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم)
أنهم كانوا يتعلمون ما يضر فقط وهذا الفهم خاطئ لعدة أمور منها:
أولا: لم يثبت أن للسحر جوانب نافعة..
ثانياً: لا يعقل أن يتعلموا ما يضرهم فقط ويتركوا تعلم ما ينفعهم لأن ميل الإنسان إلى جلب المنفعة لنفسه أقوى من ميله إلى إلحاق الضرر بغيره..
فقد قال تعالى (يضرهم) ولم يقل (يضر غيرهم) والعقل يقول إن الإنسان لا يتعلم كيف يضر نفسه ويهمل ما ينفعها..
ارجوا ان تكون القصة واضحة المعاني وملمة الجوانب
((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ))
الكثير منا سمع عن هاروت وماروت من هما وما هي قصتهما مع السحر بأرض بابل لا اعتقد ان احد منكم سابقا اطلع على حقيقة القصة الكثير من العلماء والمفسرين ألفوا الكتب واسهبوا بالكلام ولكنهم فشلوا بإظهار الحقيقة اعتقد ولست جازما اني سأحرك عندكم بعض التحفظات لانكم اعتدتم على سماع الشيوخ والمشايخ وتصديق كل كلماتهم ولكن دعونا من هذا كله ولنأخذ من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه . ربما سينعتني من ينعت ويتهمني بحشر نفسي مع عمالقة المفسرين لا يهم .اعلموا أن الدين ليس حكرا على شيخ أو مرجع أو مفسر .
منذ عدة أيام جمعتني القدار بعد غيبة ليست بالقصيرة جلسة سمر بنفر من اصحابي..
تطرقنا خلالها للحديث عن القصة الشهيرة لا ريب أنكم جميعا تعرفونها..
إنها قصة (هاروت وماروت)..
الملكين الذين كانا يعلمان الناس السحر ببابل فتحدث أحد الأساتذة وهو دكتور بالفقه عن القصة .للعلم قبل الدخول الى حديث الدكتور احب ان اقول انه لا يمكن أن يوجد من الملائكة من يعصى الله ويشرب الخمر ويقتل ويرتكب الفاحشة بل ويعلم الناس السحر..
فالملائكة قال فيهم الله سبحانه وتعالى:
(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم (6)
وأن الله قد أمرهما بتعليم الناس السحر اتقاء لشره وليس لاستخدامه فيما يغضب الله كمن يتعلم دراسة السموم اتقاء لشرها
في حين يقول المؤيدون لتلك الرواية المزعومة وهي كذب على الله ورسوله ولا تحاكي العقل والمنطق لنطلع على الرواية المزعومة
……
هنا قام دكتور الفقه مشكورا بشرح القصة للحضور حيث قال ما يلي نصه:
(لما أهبط الله آدم عليه السلام إلى الأرض قالت الملائكة:
أي ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
قال:
إني أعلم ما لا تعلمون
قالوا:
ربنا نحن أطوع لك من بني آدم
قال الله تعالى للملائكة:
هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فتنظروا كيف يعملان
قالوا:
ربنا هاروت وماروت..وفي رواية (أعزراو) أو (عزا) وهو (هاروت) و(عزبيا) وهو (ماروت)..
-وإنما غيرت أسماؤهما إلى هاروت وماروت بعدما اقترفاه من الإثم..تماما كإبليس اللعين وكان اسمه (عزازيل) قبل أن يعصى الله-..
فأهبطا إلى الأرض..
ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر..
فجاءتهما فسألاها نفسها قالت:
لا ..حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك
فقالا:
لا والله لا نشرك بالله شيئا أبدا
فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله
فسألاها نفسها فقالت:
لا..حتى تقتلا هذا الصبي
فقالا:
لا والله لا نقتله أبدا
فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله
فسألاها نفسها فقالت:
لا..حتى تشربا هذا الخمر
فشربا حتى سكرا..
فوقعا عليها وقتلا الصبي..
فلما أفاقا قالت المرأة:
والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه إلا فعلتماه حين سكرتما
فلما أن أفاقا جاءهما جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل وهما يبكيان فبكى معهما..
وقال لهما:
ما هذه البلية التي أجحف بكما بلاؤها وشقاؤها؟
فبكيا فقال لهما:
إن ربكما يخيركما بين عذاب الدنيا..وأن تكونا عنده في الآخرة في مشيئته..
إن شاء عذبكما وإن شاء رحمكما وإن شئتما عذاب الآخرة..
فعلما أن الدنيا منقطعة وأن الآخرة دائمة وأن الله بعباده رءوف رحيم..
فاختارا عذاب الدنيا وأن يكونا في المشيئة عند الله
فهما ببابل معلقين بين جبلين في غار تحت الأرض يعذبان كل يوم طرفي النهار إلى الصيحة..
ولما رأت ذلك الملائكة خفقت بأجنحتها في البيت ثم قالوا:
اللهم اغفر لولد آدم..
عجبا كيف يعبدون الله ويطيعونه على ما لهم من الشهوات واللذات
فاستغفرت الملائكة بعد ذلك لولد آدم..
فذلك قوله سبحانه (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) الشورى(5)
انتهت رواية الدكتور للاسف على كل حال لنعود للعقل والمنطق والتفسير ..
كما قلت سابقا لا يوجد من الملائكة من يعصى الله ويشرب الخمر ويقتل ويرتكب الفاحشة بل ويعلم الناس السحر.
فالملائكة قال فيهم الله سبحانه وتعالى:
(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)
ان هاروت وماروت نزلا ليظهروا للناس الفرق بين السحر المطلوب تجنبه وبين المعجزة التي هي دليل نبوة الأنبياء عليهم السلام فكانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم تشجيع له كأن يقولا: لا تفعل كذا كما لو سأل سائل عن صفة الزنا أو القتل فأُخبر بصفته ليجتنبه أو يقولا: فلا تكفر أي فلا تتعلم السحر معتقدا أنه حق فتكفر
ان نص آية سورة التحريم من بدايتها:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)
قال ابن كثير والطبري وغيرهم من المفسرين هذا الكلام يقول ابن كثير (إن عصمة الملائكة دائمة ما داموا بوصف الملائكة أما إذا انتقلوا إلى وصف الإنسان فلا)
كون ابن كثير يقول هذا إنه حديث غريب فهذا ليس معناه أنه حديث ضعيف فحسب بل غير مقبول حيث أنه استطرد قائلا هذا الكلام
وللعام (ورجاله كلهم ثقات)..
ثم إن راوي هذا الحديث الأساسي هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهم
وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى محمد ابن عبد الله رسول الرحمة عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
على العموم ندخل البحث..
لما سلب سليمان عليه السلام ملكه كانت الشياطين تصعد إلى الفضاء فتصل إلى الغمام والسحاب حيث يسترقون السمع من كلام الملائكة الذين يتحدثون ببعض ما سيكون بإذن الله في الأرض من موت أو أمر أو مصائب فيأتون الكهنة الكفار الذين يزعمون بأنهم يعلمون الغيب ويخبرونهم بما سمعوا..
فتحدث الكهنة الناس به فيجدونه كما قالوا..
فلما ركنت إليهم الكهنة أدخلوا الكذب على أخبارهم فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة..
وكانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان فيكتبوا مثلا:
(من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا..)
فلما ينتهوا يجعلوا عنوانه:
هذا ما كتب آصف بن برخيا عن الملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم
وفشا في بني إسرائيل أن الجن والشياطين يعلمون الغيب والعياذ بالله..
فلما استعاد سليمان ما وهبه الله بعث جنوده وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه..
ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يقترب من الكرسي وإلا احترق..
وقال سليمان عليه السلام:
لا أسمعن أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه
وكانت الشياطين مغتاظة من سليمان لأن الله أعطاه سر التحكم فيهم..فكانوا يطيعونه مع كفرهم حيث كانوا يخدمونه يعملون له أعمالا شاقة كما بين القرآن..
ولما مات سليمان عليه السلام وقل عدد العلماء الذين عرفوا ماذا فعل سليمان بكتب السحر وأنه دفنها تحت كرسيه ومضى جيل وأتى غيره تمثل إبليس في صورة إنسان ثم أتى جماعة من بني إسرائيل فقال لهم:
هل أدلكم على كنز لا ينفد بالأخذ منه؟
قالوا:
نعم
قال:
إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فاحفروا تحت كرسيه
فاعترض المسلمون وغضبوا وقالوا:
بل كان سليمان نبيا مسلما مؤمنا
وعاود إبليس الكرة مرارا حتى صدقه بعضهم من ضعاف النفوس وذهب معهم وأراهم المكان ووقف غير بعيد لا يستطيع الاقتراب وإلا احترق.. فقالوا له:
اقترب يا هذا
فقال:
لا ولكنني ها هنا بين أيديكم فإن لم تجدوا الصندوق فاقتلوني
فحفروا فوجدوا الصندوق وأخرجوا تلك الكتب..فلما أخرجوها قال إبليس اللعين:
ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا السحر وبه سخر الجن والإنس والطير والريح
فقال الكفار:
لقد كان سليمان ساحرا..هذا سحره به كان يأمرنا وبه يقهرنا
ثم طار إبليس وفشا بين الناس أن سليمان كان ساحرا والعياذ بالله وكذلك صاحبه وكاتبه آصف بن برخيا الذي جلب له عرش بلقيس بكرامة أكرمه الله بها (الذي عنده علم من الكتاب)
وأخذ كفار بني إسرائيل يعملون بما في تلك الكتب..
والحق أن السحر ليس من عمل الأنبياء ولا الأولياء وما كفر سليمان لأنه نبي من عند الله منزه عن الكبائر وصغائر الخسة وعن كل القبائح والرذائل فضلا عن أنه منزه عن الكفر..
فلما كثر السحرة الذين تتلمذوا على أيدي الشياطين وادعوا النبوة وعلم الغيب وتحدوا الناس بالسحر أنزل الله ملكين من ملائكته الكرام وهما هاروت وماروت ليعلما الناس ما هو السحر فيتمكنوا من تمييز السحر من المعجزة التي هي دليل نبوة الأنبياء عليهم السلام..
ويتبين كذب السحرة في دعواهم النبوة ولكي لا يلتبس على بعض الناس حالهم فإن السحر يعارض بسحر أقوى منه -فقد يبطل السحر ساحر آخر-..
وفيه التمويه والتخييل على الناس وخدع وشعوذات..
ومن جهة أخرى هو نوع من خدمة الشياطين للسحرة لأن الشياطين أجسام خفيه لا يراها الناس ويكون السحر أحيانا بوضع تركيبة من مواد معينة تجمع وتحرق ويتخذ منها رماد وحبر ويقرأ عليها كلمات وأسماء ثم تستعمل في ما يحتاج إليه من السحر..
وأما المعجزة فهي أمر خارق للعادة لا يعارض بالمثل يظهر على يد النبي وقد يكون مقرونا بالتحدي..
فكانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم تشجيع له كأن يقولا:
لا تفعل كذا-كما لو سأل سائل عن صفة الزنا أو القتل فأُخبر بصفته ليجتنبه-
لذلك كانا يستدركان قائلين:
فلا تكفر
أي فلا تتعلم السحر معتقدا أنه حق يجلب الخير أو يدفع الضرر فتكفر
كما كانا يعلمان الناس كيفية اتقاء شرور السحر إن سحروا..
وكانا لا يعلمان أحدا حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاء واختبارا قائلين:
إنما نحن ابتلاء من الله وفتنة فمن تعلم منا السحر واعتقده وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان..
وبين الله في القرآن أن الملكين أقصى ما يعلمانه هو كيف يتم التفريق بين الرجل وزوجته..وأن ضرر ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله لأن الله تعالى هو الذي يخلق النفع والضرر..
ثم أثبت تعالى أن من يتعلم السحر ويرتكبه فهو ضرر عليه ويعود عليه بالوبال.
وهاروت وماروت ملكان كريمان من ملائكة الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون..
فلا صحة أبدا للقصة التي تقول إن هاروت وماروت ملكان التقيا بامرأة جميلة ففعلا معها الفاحشة فهذا الكلام كفر بين وفيه تكذيب للقرآن الكريم.
فليحذر الناس من مثل هذه القصص المكذوبة والمفتراة على دين الله وأنبيائه وملائكته..
والخلاصة: أن الله تعالى إنما أنزلهما ليحصل بسبب إرشادهما الفرق بين الحق الذي جاء به سليمان وأتم له الله به ملكه وبين الباطل الذي جاءت الكهنة به من السحر ليفرق الناس بين المعجزة والسحر..
وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذين الملكين فهو من الأكاذيب يردها ما ثبت من عصمة الملائكة على وجه العموم دون ورود استثناء لهذا لأصل العام كما قال تعالى:
( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/26-28 .
وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال)
يبدو أن بابل قد بلغت مبلغا عظيما في علوم السحر وهذا مؤشر على انحراف مسار الحضارة البابلية..
وقد تجلت رحمة الله تعالى بإنزال ملكين لمواجهة ذلك الشر المستطير..وتمثل الملكان في صورة بشرية كما أسلفت بالدليل..
وواضح من النص الكريم أن مهمة الملكين تمثلت في تعليم الناس أمورا تتعلق بالسحر الذي استفحل شره في بابل..
وبما أنهما ملكان وبما أن ما يعلمانه منزل عليهما فلا بد إذن أن يكون أمرا إيجابيا..
والأقرب للمنطق أن يكون هذا العلم يتعلق بمضادات السحر من أجل إبطاله..
وبذلك لا نحتاج إلى لي عنق النص لأن هذا هو ظاهر النص واللائق بمقام الملائكة وما ينزل عليهم...
وهنا قد يقول قائل:
كان يمكن أن ينزل هذا العلم المتعلق بإبطال السحر على نبي من الأنبياء فلماذا أنزل على ملكين متجسدين في الصورة البشرية ؟
والجواب على ذلك يتلخص في كون الأمر لا يناسب مقام النبوة والرسالة لأن الكفار قد درجوا على اتهام الأنبياء والرسل بممارسة السحر بل لقد خلط أهل الكفر بين المعجزة والسحر..
من هنا وحتى لا تكون الشبهة وحتى لا يتم الخلط تم تجنيب الرسل الخوض في مضادات السحر -التي تحتم الخوض في السحر-..
وواضح من النص الكريم أن الملكين يخلصان النصيحة لكل من تعلم مضادات السحر ويظهر ذلك جليا في استخدام (ما ومن) في قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد)..
وهذا الحرص منهما يدل على خطورة الأمر وحساسيته..وتظهر هذه الخطورة في إمكانية انحراف المتعلم وانخراطه في أمور السحر لذا كانت النصيحة المشددة: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) قبل البدء في التعليم..
وهنا قد يتساءل أحدكم:
من أين تأتي الخطورة وإمكانية الانحراف وهما يعلمان الناس مضادات السحر وكيفية الوقاية منه؟!
وأجيب قائلا إن تعليم المضادات للسحر يقتضي التعريف بحقيقة السحر أولا ثم تعليم أنواع المضادات لهذا السحر..ومن هنا يصبح المتعلم ملما بأساليب السحر وأنواعه كما هو الأمر في الصيدلي أو الطبيب الذي يتعلم أنواع السموم ومضاداتها.
من هنا لابد من التذكير الدائم والوصية المتكررة -لأن المتعلم أصبح قادرا على ممارسة السحر بعد تعلمه لمضاداته -ومثل هذه الإمكانيات تغري النفوس غير القوية بالانحراف وممارسة السحر والكفر..
وبعد أن تؤدى النصيحة ويتم التحذير المشدد يتم تعليم ألوان من السحر وعلى وجه الخصوص الكيفية التي يتم بها التفريق بين المرء وزوجه..
أما لماذا كان التركيز على أمر التفريق بين المرء وزوجه فلا شك أن ذلك من أشر الشرور فقد صح في الحديث الشريف أن إبليس يقرب من أتباعه من يستطيع أن يوسوس للزوجين بما يفضي إلى طلاقهما..
كما أن التفريق بين الأزواج هو من أهم مقاصد السحر والسحرة فحيث تكون المودة والرحمة والسكينة يكون الخير..وما السحر إلا محض شر..
وأتوقف عند قوله تعالى:
(وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)
وهذه حقيقة ينبغي أن تكون ماثلة دائما في ضمير المؤمن فلا يكون في هذا الكون شيء إلا بإذنه تعالى..فليكن التوجه أولا وأخيرا إلى الله تعالى..
وأيضا:
(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم)
وهذا يدل على أن السحر لا علاقة له بالنفع بل كله يتعلق بالمضرة ويخلو من المنفعة..
من هنا كانت ممارسة السحر من أكبر الكبائر..ولو كان في السحر بعض الجوانب النافعة لأمكن عقلا أن يأذن الشرع بممارسة هذه الجوانب..أما تعلم مضادات السحر فلا تتعلق بالمنفعة وإنما بدفع المضرة..من هنا كانت وصية الملكين مشددة لكي لا ينزلق المتعلم في متاهات السحر ولكي يسخر علمه في دفع الضرر.
وقد يتوهم البعض أن المقصود بقوله تعالى:
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم)
أنهم كانوا يتعلمون ما يضر فقط وهذا الفهم خاطئ لعدة أمور منها:
أولا: لم يثبت أن للسحر جوانب نافعة..
ثانياً: لا يعقل أن يتعلموا ما يضرهم فقط ويتركوا تعلم ما ينفعهم لأن ميل الإنسان إلى جلب المنفعة لنفسه أقوى من ميله إلى إلحاق الضرر بغيره..
فقد قال تعالى (يضرهم) ولم يقل (يضر غيرهم) والعقل يقول إن الإنسان لا يتعلم كيف يضر نفسه ويهمل ما ينفعها..
ارجوا ان تكون القصة واضحة المعاني وملمة الجوانب

تعليقات
إرسال تعليق